كاتدرائية نوتردام في باريس بعد ترميمها والزوار في الساحة الأمامية
نوتردام تستقبل الزوار من جديد، وواجهتها الغربية المرممة ترتفع فوق الساحة. الصورة: AlSepPhoenix / ويكيميديا كومنز، ترخيص CC BY-SA 4.0.

عند الساعة السابعة وخمسين دقيقة مساء 15 أبريل 2019، انحنى برج كاتدرائية نوتردام، انكسر، ثم اختفى داخل كتلة من اللهب. على ضفاف السين توقف الكلام. ولساعات ثقيلة، لم يكن أحد في باريس قادرًا على الجزم بأن صرحًا عمره أكثر من ثمانية قرون سيظل قائمًا حتى الصباح.

كان حريق نوتردام يجتاح السقف الخشبي الوسيط، المعروف باسم «الغابة»، فوق العقود الحجرية مباشرة. ذاب الرصاص، وسقطت كتل مشتعلة داخل الكاتدرائية. وفي قلب هذا المشهد واجه رجال الإطفاء معادلة قاسية: إلى أي مدى يمكنهم التقدم تحت مبنى يضعف لحظة بعد أخرى، وأي جزء يجب إنقاذه أولًا حتى لا تنهار الكاتدرائية كلها؟

نجت نوتردام من تلك الليلة، لكن نجاتها لم تكن معجزة منفردة. إنها حصيلة قرارات بشرية متعاقبة: قرار بالبناء أعلى في القرن الثاني عشر، وابتكار دعائم خارجية تحمل ضغط الحجر، وإنقاذ كنيسة أهملتها العصور، وإحياء برجها في القرن التاسع عشر، ثم إعادة بنائها بعد الحريق من دون تزوير تاريخها.

فكيف صمدت كاتدرائية بدأ بناؤها عام 1163 أمام الثورات والإهمال والتغييرات، ثم أمام واحدة من أخطر الليالي في تاريخها الحديث؟

كاتدرائية نوتردام في باريس تحترق مساء 15 أبريل 2019
نوتردام مشتعلة عند الساعة 8:06 مساء 15 أبريل 2019، بينما امتدت النار داخل السقف التاريخي. الصورة: GodefroyParis / ويكيميديا كومنز، ترخيص CC BY-SA 4.0.

15 أبريل 2019: حين تحول السقف إلى جحيم

أُبلغ عن الحريق في المساء بينما كانت أعمال ترميم تجري حول السقف والبرج. وما زال السبب الدقيق غير محسوم. أما المؤكد فهو أن النيران انتشرت بسرعة داخل الأخشاب القديمة الجافة فوق العقود. دمر الحريق السقف الخشبي الوسيط، وبرج فيوليه لو دوك الذي شُيد في القرن التاسع عشر، وأجزاء من العقود الحجرية.

شارك نحو 400 رجل إطفاء في المواجهة. وكانت المعركة الحاسمة عند البرج الشمالي. فلو وصلت النار إلى داخله، لكان وزن الأجراس مع ضعف البناء قادرًا على دفع أجزاء أوسع إلى الانهيار. عملت فرق من داخل الكاتدرائية تحت عقود غير مستقرة، فيما ركزت فرق أخرى على تبريد البرجين ومنع انتشار اللهب.

وفق وزارة الثقافة الفرنسية، أُعلن إخماد الحريق عند الساعة 9:50 صباح 16 أبريل، بعد نحو خمس عشرة ساعة من بدايته. بقي البرجان والواجهة والهيكل الرئيسي قائمين. لكن الخطر لم ينته بإطفاء النار.

برج فيوليه لو دوك في نوتردام تحيط به النيران أثناء حريق 2019
برج القرن التاسع عشر وسط النيران قبل انهياره بقليل. الصورة: Guillaume Levrier / ويكيميديا كومنز، ترخيص CC BY-SA 4.0.

سلسلة بشرية أنقذت كنوزًا لا تُعوّض

بينما كان السقف يحترق، شكّل رجال دين وإطفاء وشرطة ومسؤولو تراث سلسلة بشرية لنقل القطع الثمينة. نجت إكليل الشوك، وآثار مرتبطة بآلام المسيح، والثوب المنسوب إلى الملك القديس لويس. لم يحترق الأرغن الكبير مباشرة، لكن الغبار والماء والرطوبة فرضت تفكيكه وترميمه بعناية. كما صمدت النوافذ الوردية الكبرى.

مع ذلك كانت الخسائر هائلة. اختفى السقف الخشبي الوسيط، وسقط البرج، وانهارت أجزاء من العقود. وانتشر رصاص السقف والبرج في الموقع، فتحول الإنقاذ إلى تحدٍ صحي وبيئي إلى جانب الخطر الإنشائي.

في الأشهر الأولى عوملت نوتردام كأنها مريض في العناية المركزة. غُطيت المناطق المكشوفة، ودُعمت الجملونات، وثُبتت الدعامات الطائرة، ووُضعت أجهزة لمراقبة الحركة. لم يكن ممكنًا افتراض سلامة ما بقي من العقود؛ فأي اهتزاز أو حمل زائد قد يهدد حجارة أنهكتها الحرارة والمياه والصدمات.

لماذا بُنيت نوتردام أصلًا؟

لفهم ما كاد يضيع، يجب العودة إلى باريس في زمن الأسقف موريس دو سولي. في منتصف القرن الثاني عشر كانت المدينة تنمو سكانًا ونفوذًا، وأصبحت جزيرة المدينة في قلب عاصمة تتغير. لم يعد المجمع الكنسي القديم يعكس مكانة باريس الجديدة، فأطلق دو سولي مشروع كاتدرائية ضخمة مكرسة للسيدة العذراء.

يؤرخ بدء البناء عادة بعام 1163. ولم يكن للمشروع مهندس واحد بالمعنى الحديث يدير كل شيء طوال قرنين. تعاقبت أجيال من البنائين الرئيسيين والنحاتين والنجارين وصناع الزجاج والعمال. تقدم بناء الجوقة في ثمانينيات القرن الثاني عشر، ثم جاءت صحن الكنيسة والواجهة الغربية والبوابات والأبراج. واستمرت المصليات والتعديلات إلى القرن الرابع عشر.

استغرق البناء الأساسي نحو مئتي عام. وبعده ترك كل عصر تقريبًا أثرًا جديدًا، سواء بالإضافة أو الإزالة أو التفسير.

كاتدرائية نوتردام في باريس من الجنوب الغربي قبل حريق 2019
نوتردام من الجنوب الغربي عام 2017، ويظهر السقف والبرج قبل الحريق. الصورة: AStarPathfinder / ويكيميديا كومنز، ترخيص CC BY-SA 4.0.

كيف جعل بناؤو العصور الوسطى الحجر يبدو خفيفًا؟

تكمن عبقرية نوتردام في فكرة إنشائية واضحة: دفع قوى العقود الحجرية العالية إلى الخارج والأسفل، ثم فتح الجدران أمام الضوء. سمحت الأقواس المدببة بنسب أكثر مرونة من الأقواس الرومانية المستديرة. ركزت العقود المضلعة الأحمال على أضلاع وأعمدة حجرية، بينما حملت الدعامات الطائرة الضغط الجانبي خارج المبنى.

لم تكن هذه الدعامات زينة، بل الآلة الظاهرة التي أبقت الكاتدرائية واقفة. لم يمتلك البناؤون رافعات حديثة أو نماذج حاسوبية. وصلت الحجارة بالقوارب والعربات. حملت قوالب خشبية الأقواس حتى يجف الملاط. ورفعت عجلات يديرها العمال الكتل الثقيلة. أما القوالب الهندسية والخبرة العملية فضمنتا تكرار الأشكال بدقة.

كانت نوتردام أيضًا مختبرًا. كُبرت بعض الدعامات أو استبدلت بعدما راقب البناؤون سلوك الهيكل. وفي القرن الثالث عشر غيّرت واجهات الجناح والنوافذ الوردية شكل الكاتدرائية. لذلك ليست نوتردام تصميمًا ثابتًا، بل حوار طويل بين أجيال من الحرفيين.

الثورة والإهمال: خطر آخر غير النار

لم تحرق الثورة الفرنسية الكاتدرائية، لكنها نزعت عنها مكانتها الدينية وأتلفت رموزًا وكنوزًا. ظن الثوار أن تماثيل ملوك الكتاب المقدس على الواجهة تمثل ملوك فرنسا فقطعت رؤوسها. استُخدم المبنى في احتفالات ثورية ثم كمخزن. وعندما عادت العبادة، بقي الإهمال وتغير الذوق يهددان المكان.

هنا غيّر الأدب مصير الحجر. في عام 1831 نشر فيكتور هوغو رواية نوتردام دو باري، المعروفة عربيًا باسم أحدب نوتردام. جعل الكاتب الكاتدرائية شخصية رئيسية، وحول الرواية إلى صرخة ضد تخريب عمارة العصور الوسطى. ساعد التأثير الشعبي للرواية على خلق ضغط سياسي لإنقاذ المبنى.

فيوليه لو دوك والبرج الذي بكت عليه باريس

في عام 1844 كُلف أوجين فيوليه لو دوك وجان باتيست لاسوس بترميم واسع. وبعد وفاة لاسوس واصل فيوليه لو دوك المشروع، فأصلح الأحجار والمنحوتات والمصليات والزجاج الملون، واتخذ قرارات تعكس رؤية القرن التاسع عشر للعمارة القوطية.

حل البرج الجديد محل برج وسطي أزيل في القرن الثامن عشر. لم يكن جزءًا من كاتدرائية القرن الثاني عشر، لكنه أصبح جزءًا لا ينفصل عن أفق باريس. أحاطت بقاعدته تماثيل نحاسية للرسل، وحمل تمثال القديس توما ملامح فيوليه لو دوك وهو يلتفت نحو البرج.

قبل حريق 2019 بأيام، كانت تلك التماثيل قد نُقلت للترميم. وهكذا نجت في واحدة من أكثر مصادفات الكارثة إثارة.

رسم تاريخي لفيوليه لو دوك يقارن تصميمات برج نوتردام
دراسة فيوليه لو دوك لأبراج الكاتدرائية في القرن التاسع عشر. الصورة: أوجين فيوليه لو دوك / ويكيميديا كومنز، ملكية عامة.

إعادة البناء من دون اختراع ماضٍ مزيف

بعد الحريق وضعت فرنسا هدفًا طموحًا: إعادة فتح الكاتدرائية خلال خمس سنوات. لكن قبل إعادة البناء كان لا بد من تثبيت المبنى. فُككت السقالات التي شوهتها الحرارة حول البرج أنبوبًا بعد آخر. ودرس علماء آثار ومهندسون وكيميائيون ومرممون الخشب والحجر والمعدن والزجاج والرصاص.

تقرر إعادة السقف والبرج إلى هيئتهما قبل الحريق، باستخدام مواد وأساليب تقليدية حيث يلزم، مع الاستفادة من التحليل الحديث ومعايير حماية أكثر صرامة. اختيرت أشجار بلوط للهيكل الجديد. استخدم النجارون رسومات بالحجم الطبيعي ووصلات مصنوعة يدويًا إلى جانب المسح الرقمي. وبحث نحاتو الحجر عن حجر جيري يطابق الأجزاء المتضررة.

في الداخل كشفت أعمال التنظيف حجرًا أكثر إشراقًا مما عرفه الزوار قبل الحريق. لم يكن الهدف محو ليلة 2019، بل حماية استمرارية نوتردام التاريخية، مع إضافة أنظمة أفضل للكشف عن الحريق وتقسيم المخاطر ورذاذ المياه.

دعامات نوتردام الطائرة مؤمنة خلال أعمال ترميم 2024
الدعامات الطائرة أثناء التثبيت في أبريل 2024، وتظهر النظام الإنشائي للجدران القوطية. الصورة: Mariordo / ويكيميديا كومنز، ترخيص CC BY-SA 4.0.

عودة «الغابة»

تألف السقف القديم من آلاف القطع الخشبية، وكثير منها قُطع من أشجار نمت في فرنسا الوسيطة. وجاء اسم «الغابة» من كثافة الهيكل وكمية الخشب التي حملها. تطلب بناؤه من جديد أشجارًا مناسبة ونجارين متخصصين وقرارًا بشأن درجة الوفاء للنظام المفقود.

أعادت الفرق صنع هياكل الجوقة وصحن الكنيسة من البلوط بوصلات تقليدية. هذا الخشب الجديد لا يتظاهر بأنه قديم. قيمته في استمرار الحرفة: الفأس والهندسة والوصلة والمعرفة التي يطبقها حرفيو القرن الحادي والعشرين.

هيكل السقف المصنوع من البلوط والمعروف باسم الغابة في نوتردام
هيكل السقف المصنوع من البلوط، المعروف باسم «الغابة»، ينقل الحرفة الوسيطة إلى الكاتدرائية المرممة. الصورة: Dragonfruit2 / ويكيميديا كومنز، ترخيص CC BY-SA 4.0.

ديسمبر 2024: الأبواب تُفتح من جديد

في 7 و8 ديسمبر 2024 أعيد افتتاح نوتردام في مراسم شارك فيها مصلون ومسؤولون وحرفيون وضيوف دوليون. وبعد أكثر من خمس سنوات، عاد الجمهور إلى الصحن ورأى الحجارة النظيفة والأثاث الطقسي المجدد والضوء يعبر مساحات حجبتها السقالات طويلًا.

كان الافتتاح محطة تاريخية، لا نهاية العمل. ما زالت أعمال الترميم الخارجية ومحيط الكاتدرائية مستمرة، فيما تبقى الجهة العامة المشرفة على المشروع مكلفة حتى عام 2028.

الجوقة المضيئة وداخل كاتدرائية نوتردام بعد الترميم وإعادة الافتتاح
الجوقة المرممة في ديسمبر 2024، مع الحجر النظيف والأثاث الطقسي المجدد. الصورة: Ibex73 / ويكيميديا كومنز، ترخيص CC BY 4.0.

زيارة نوتردام اليوم: ما الذي ينتظر المسافر؟

الدخول إلى الكاتدرائية مجاني. ويمكن للحجز الرسمي المجاني أن يقلل الانتظار، لكنه اختياري. ينبغي الحذر من المواقع التي تبيع «تذاكر دخول» مزيفة. راجع دائمًا صفحة الحجز الرسمية المجانية لمعرفة أوقات الزيارة والتعليمات المحدثة.

أكبر مفاجآت الداخل هي الضوء. أعاد التنظيف للحجر لونه الفاتح وللزخارف دقتها. يروي الصحن والجوقة والمصليات والنوافذ الوردية والأرغن الكبير طبقات مختلفة من القصة. وفي الخارج تكشف الساحة وضفاف السين والضفة اليسرى كيف ما زالت الكاتدرائية تنظم مشهد وسط باريس.

خصص من 45 إلى 60 دقيقة لزيارة هادئة، ووقتًا أطول إذا أردت دراسة العمارة والمصليات. يكون الصباح غالبًا أقل ازدحامًا. ونوتردام مكان عبادة حي، لذلك تُطلب ملابس مناسبة والهدوء واحترام الصلوات.

باريس مدينة تُروى معالمها كقصص

تجاور قصة نجاة نوتردام حكاية رمز باريسي آخر كان من المفترض أن يكون مؤقتًا. اقرأ الحلقة الأولى من السلسلة: كانوا سيزيلون برج إيفل، فكيف نجا؟. ويمكن للزائر لأول مرة جمع المعلمين ضمن برنامج باريس في يومين.

ولمن يحتاج إلى وصول أكثر سلاسة أو جولة خاصة أو تنقل موثوق بين المطار والفندق ووسط باريس، تتوفر معلومات عملية عن الانتقال من مطار شارل ديغول وخدمات التنقل الخاص في باريس. هذه روابط تخطيط مفيدة، أما قصة الكاتدرائية فتبقى محور المقال.

نجت لأن أشخاصًا اختاروا إنقاذها

لم تنج نوتردام لأن الحجر لا يُقهر. تشقق الحجر، وتمدد الحديد، واحترق الخشب. نجت لأن رجال الإطفاء قبلوا خطرًا استثنائيًا، ولأن الخبراء ثبتوا هيكلًا جريحًا، ولأن الحرفيين أعادوا إحياء معرفة قديمة.

عند الغروب يرتفع البرج المعاد بناؤه فوق جزيرة المدينة. يبدو مألوفًا، كأنه كان مضمونًا دائمًا. لم يكن كذلك. في ليلة واحدة رأت باريس كيف يمكن لرمز أن يتحول سريعًا إلى فراغ. الكاتدرائية القائمة اليوم لا تثبت أن المعالم خالدة، بل تثبت أن البقاء عمل متواصل.

أسئلة شائعة

متى بُنيت كاتدرائية نوتردام في باريس؟

بدأ البناء عام 1163 واستمر عبر مراحل كبرى حتى القرن الرابع عشر، أي إن الهيكل الأساسي استغرق نحو قرنين.

من صمم وبنى نوتردام؟

أطلق الأسقف موريس دو سولي المشروع، لكن أجيالًا من البنائين الرئيسيين والنجارين والنحاتين والحرفيين، ومعظمهم مجهولون، شاركت في تصميم الكاتدرائية وبنائها.

ما سبب حريق نوتردام عام 2019؟

ما زال السبب الدقيق غير محسوم. ولا يصح تقديم أي فرضية على أنها حقيقة ما لم تثبتها النتائج الرسمية.

ما الذي دمره الحريق؟

دمر السقف الخشبي الوسيط وبرج فيوليه لو دوك وأجزاء من العقود. ونجت الواجهة والبرجان وجزء كبير من الهيكل والنوافذ الوردية والآثار الرئيسية.

متى أعيد افتتاح نوتردام؟

أعيد افتتاح الكاتدرائية رسميًا في 7 و8 ديسمبر 2024.

هل زيارة نوتردام مجانية؟

نعم. الدخول مجاني، ويوجد نظام حجز رسمي مجاني واختياري للمساعدة في تنظيم الطوابير.

المصادر المرجعية

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here