غلاف فاخر يجمع البابا ليون الرابع عشر وساحة الكونكورد ليلًا لمقال عن كلفة زيارته إلى باريس
تركيب تحريري: البابا ليون الرابع عشر في صورة رسمية التُقطت في الفاتيكان في 25 مارس 2026، مقابل ساحة الكونكورد في باريس ليلًا. صورة البابا: وزارة الخارجية الإستونية، CC BY 4.0. صورة الكونكورد: Dohduhdah، ملك عام. تصميم OUISTARS.

زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى باريس لها فاتورتان، لا فاتورة واحدة: 27 مليون يورو لتنظيم الرحلة في فرنسا، وكلفة أمنية عامة لم تعلنها الدولة بعد. أما الأرباح، فهي موزعة بين الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة، ولا توجد حتى الآن حصيلة مدققة تسمح بالقول إن باريس «استردت» ما أنفقته.

هذا التفريق مهم، لأن الجهة التي دفعت معظم مصاريف التنظيم ليست الجهة التي تحملت الأمن، ولأن الإيرادات التي حققتها الشركات لا تساوي ما دخل خزينة الدولة. وبين الرقم المعلن والانطباع الذي صنعته الحشود، يبقى السؤال الحقيقي: ماذا دفعت فرنسا، وماذا كسبت باريس بالفعل؟

الخلاصة قبل التفاصيل

  • 27 مليون يورو هي ميزانية تنظيم الزيارة في فرنسا كلها، وفق الموقع الرسمي للزيارة، وليست فاتورة مدينة باريس وحدها.
  • الدولة تحملت الأمن العام. وزارة الداخلية أعلنت تعبئة 15 ألف عنصر في باريس يومي 25 و26 سبتمبر، بينهم نحو 14 ألفًا من الشرطة والدرك والجيش، إضافة إلى 2500 من رجال الإطفاء.
  • الفنادق والمطاعم والنقل استفادت من الحشود، لكن بيانات السياحة الشهرية لا تظهر قفزة استثنائية يمكن نسبها كلها إلى الزيارة.

من دفع مبلغ الـ27 مليون يورو؟

المبلغ يخص تنظيم الرحلة البابوية بين باريس ولورد ومتز من 25 إلى 28 سبتمبر/أيلول 2026. ويغطي استقبال المشاركين، وتجهيز المواقع، والمنصات والصوت والشاشات والحواجز، والخدمات اللوجستية، والأطقم الفنية، والأمن الخاص والتنظيف.

الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا هي الممول الرئيسي، لا بلدية باريس ولا الفاتيكان. وقال الموقع الرسمي للزيارة في 7 سبتمبر إن حملة التبرعات جمعت آنذاك نحو 5.5 ملايين يورو، على أن تستكمل الموارد من تبرعات الأفراد وكبار المانحين والشركات وبيع المنتجات، وربما من موارد كنسية مخصصة للأنشطة الرعوية.

هناك مع ذلك أثر على المالية العامة لا ينبغي إخفاؤه. فالتبرعات المؤهلة تمنح المتبرع في فرنسا تخفيضًا ضريبيًا بنسبة 66%، ضمن الحدود القانونية. هذا لا يعني أن الدولة دفعت ثلثي ميزانية الزيارة؛ بل يعني أن جزءًا من التمويل قد يترتب عليه نقص غير مباشر في الإيرادات الضريبية. ولا يمكن حساب هذا الجزء من دون معرفة قيمة التبرعات المؤهلة والوضع الضريبي للمتبرعين.

الأمن: أكبر رقم غير معروف في الفاتورة

بحسب وزارة الداخلية، كان متوقعًا حضور نحو مليون شخص إلى باريس خلال يومين، بينهم قرابة 600 ألف في قداس ساحة الكونكورد والشانزليزيه. لذلك شاركت وحدات متخصصة، وفرق تدخل وإزالة متفجرات وقناصة ووسائل لمواجهة الطائرات المسيّرة، إلى جانب إغلاق طرق ومحطات وإنشاء نطاقات تفتيش.

هذا الانتشار له كلفة فعلية: ساعات إضافية، نقل، تجهيزات، إيواء، تشغيل ومهمات كان يمكن توجيهها إلى أعمال أخرى. لكن الحكومة لم تنشر حتى وقت إعداد هذا التحقيق فاتورة مستقلة ونهائية للأمن. ومن ثم لا يصح جمع أرقام تقديرية متفرقة وتقديمها بوصفها «التكلفة الكاملة».

بلدية باريس قالت إن تجهيز المواقع العامة وتفكيكها وتنظيفها وإصلاح الأضرار المحتملة يقع على عاتق المنظم. أما حماية البابا والحشود فتدخل ضمن مسؤولية الدولة، لأن الزيارة دينية ورسمية في آن واحد، والبابا هو كذلك رئيس دولة الفاتيكان.

أين ظهرت العائدات؟

العائد المباشر ذهب أولًا إلى القطاع الخاص: غرف فندقية، وجبات، سيارات أجرة، تذاكر نقل، مشتريات وتذكارات. وفي الأحياء الواقعة على مسار الزيارة، رصدت صحيفة «لو باريزيان» فنادق مكتملة أو شبه مكتملة قبل وصول البابا، مع بقاء بعض التجار أكثر حذرًا بسبب صعوبة الوصول والإغلاقات.

لكن الصورة على مستوى باريس كلها أكثر اعتدالًا. فقد ذكر مرصد «باريس جي تيم» السياحي أن نسبة إشغال الفنادق المتوقعة في سبتمبر ارتفعت بنحو نقطة مئوية واحدة فقط مقارنة بعام 2025، رغم اجتماع زيارة البابا مع حفلات ومعارض ومؤتمرات كبرى. وهذه المقارنة تمنع المبالغة: امتلاء فندق قريب من نوتردام لا يعني أن كل فنادق العاصمة حققت طفرة.

كما ينبغي التمييز بين ثلاثة أرقام:

  • المبيعات: كل ما دفعه الزوار للفنادق والمطاعم والمتاجر والنقل.
  • القيمة المضافة: الجزء الذي يبقى في الاقتصاد بعد خصم تكاليف التشغيل والمشتريات.
  • الإيرادات العامة: ما يصل إلى الدولة والمدينة من ضريبة القيمة المضافة وضريبة الإقامة والضرائب والرسوم.

إذا دفع زائر 300 يورو خلال رحلته، فلا تدخل الـ300 يورو كاملة إلى الخزانة. لذلك لا يمكن مقارنة ميزانية التنظيم بإجمالي مبيعات القطاع السياحي ثم إعلان «ربح» الفرق.

هل عوضت باريس الإنفاق؟

الجواب المهني حتى الآن: لا نملك بيانات تكفي للحكم. الكنيسة مطالبة بموازنة ميزانية التنظيم التي تحملتها، والدولة مطالبة بمقارنة الضرائب والإيرادات الإضافية بكلفة الأمن والخدمات العامة. أما بلدية باريس فتستفيد خصوصًا من ضريبة الإقامة ومن النشاط الاقتصادي، مع تحملها آثار الازدحام وتعطل بعض الأنشطة.

ولإجراء حساب جاد بعد انتهاء الزيارة، نحتاج إلى بيانات عن عدد الليالي الفندقية الإضافية، ومتوسط سعر الغرفة، وإنفاق الزوار، وإيرادات النقل، والضرائب المحصلة، وكلفة الأمن الفعلية. من دون ذلك، تظل أي حصيلة نهائية رأيًا أو توقعًا.

رأي رئيس التحرير: المكسب الأهم هو الثقة

ترى هيئة تحرير OUISTARS أن القيمة الأبعد أثرًا ليست محصورة في مبيعات عطلة واحدة. قدرة باريس على استقبال حشود ضخمة وحماية شخصية عالمية شديدة الحساسية منحت المدينة رسالة تسويقية وسياسية واضحة: العاصمة مفتوحة، ومؤسساتها قادرة على إدارة حدث كبير.

هذه الرسالة لها قيمة اقتصادية، لكن يجب وصفها بدقة. لا يمكن تحويل كل لقطة تلفزيونية إلى مبلغ نقدي، ولا الادعاء بأن صورة الحشود ستجلب عددًا محددًا من السياح. إلا أن الأمان يؤثر فعلًا في قرارات المسافرين وشركات الطيران ومنظمي المؤتمرات. ونجاح الحدث، بعد الخبرة التي راكمتها باريس في أولمبياد 2024، يدعم سمعة المدينة بدل أن يخلق عائدًا ماليًا فوريًا يمكن قياسه في اليوم التالي.

يمكن للقارئ الاطلاع أيضًا على دليلنا العملي: هل باريس آمنة؟ دليل سلامة السائح لعام 2026.

والسياسة؟

الزيارة لم تكن نشاطًا سياحيًا فقط. لقاء الإليزيه، وزيارة اليونسكو، والقداس العام وضعت فرنسا في قلب تغطية دولية جمعت الدين بالدبلوماسية وبالنقاش الفرنسي الدائم حول العلمانية. والصفة المزدوجة للبابا، رئيسًا للكنيسة الكاثوليكية ولدولة الفاتيكان، تفسر مشاركة الدولة في الاستقبال والحماية.

ربحت فرنسا منصة للحديث عن السلام ووحدة أوروبا، وربحت باريس اختبارًا جديدًا لقدرتها التنظيمية. لكن هذه مكاسب نفوذ وصورة عامة؛ ولا ينبغي خلطها بالإيرادات السياحية أو تقديمها كأرباح محاسبية.

الحكم النهائي

المؤكد هو وجود إنفاق تنظيمي قدره 27 مليون يورو على مستوى فرنسا، وانتشار أمني ضخم لم تعلن كلفته النهائية، ونشاط إضافي استفادت منه قطاعات مرتبطة بالسياحة. وغير المؤكد هو حجم الإنفاق الجديد الذي لم يكن ليحدث لولا الزيارة، ومقدار ما عاد منه إلى الدولة والمدينة.

لذلك، السؤال الأدق ليس «هل ربحت باريس 200 مليون يورو؟»، بل: كم ليلة فندقية وكم عملية شراء وكم يورو من الضرائب أضافتها الزيارة فوق النشاط المعتاد، وكم كلف الأمن في المقابل؟ حتى تصدر هذه الأرقام، يمكن القول إن باريس كسبت حركة تجارية وصورة دولية قوية، لا أن الفاتورة سُددت بالكامل.

ملاحظة تحريرية: أُنجزت هذه المراجعة في 26 سبتمبر/أيلول 2026 والزيارة لا تزال مستمرة؛ لذلك فالأرقام النهائية للعائدات لم تكن متاحة.

المصادر

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here