رأي تحريري | الحريات العامة والاقتصاد والمصلحة الوطنية
تستطيع فرنسا حماية الحق في الاعتراض من دون أن تسمح لكل خلاف بأن يستنزف خدماتها العامة، ويضعف اقتصادها، ويحوّل أشهر مواقعها السياحية إلى ساحات دائمة للتوتر.
للإضراب والتظاهر مكان راسخ في التاريخ الديمقراطي الفرنسي. فقد كشفا مظالم، وفتحا مفاوضات، وأجبرا السلطة أحيانًا على مراجعة قراراتها. لكن الاعتراف بهذه الوظيفة لا يعفينا من فحص الكلفة عندما تتحول الوسيلة الاستثنائية إلى نمط متكرر: ساعات عمل ضائعة، نقل مضطرب، متاجر تغلق أبوابها، زوار يعيدون ترتيب رحلاتهم، وقوات أمن تُستنزف في تأمين النزاع بدل توجيه قدراتها إلى مهام أخرى.
إضراب وتظاهرة 29 سبتمبر 2026: ما الذي يجري؟
في 29 سبتمبر 2026 أعادت تعبئة موظفي القطاع العام هذا النقاش إلى قلب باريس. المطالب المتعلقة بالأجور وظروف العمل وموارد الخدمات العامة تستحق الاستماع والتفاوض. غير أن المسار المعلن من ساحة الجمهورية إلى ساحة الأمة يعيد مشهدًا مألوفًا: سكان وموظفون ومسافرون وشركات ينظمون يومهم مرة أخرى حول اضطراب جديد.

حرية دستورية لا ترخيصًا بالفوضى
للإضراب قيمة دستورية في فرنسا، لكن ديباجة دستور 1946 تنص على أنه يُمارس «في إطار القوانين التي تنظمه». ويقر المجلس الدستوري بحق المشرّع في التوفيق بين الدفاع عن المصالح المهنية واستمرارية المرفق العام وحماية المصلحة العامة.
أما التظاهر في الطريق العام فيخضع للتصريح المسبق. ويمكن للإدارة تعديل التوقيت أو المسار، كما تستطيع منعه عند ثبوت خطر جدي على النظام العام، مع بقاء القرار خاضعًا لرقابة القضاء. وهكذا يتضمن القانون الفرنسي أصل المعادلة المطلوبة: الحرية الحقيقية لا تفقد قيمتها عندما تُنظَّم، ولا تصبح مطلقة على حساب الحقوق والمصالح الأخرى.
الأهم هو التمييز بين ثلاث وقائع مختلفة. التظاهر السلمي حرية، والإضراب وسيلة ضغط مهنية، أما التكسير والنهب والحرق والاعتداء فهي جرائم. ينبغي ملاحقة مرتكبي العنف بوصفهم أفرادًا، من دون استخدام أفعالهم لتجريم الحشود السلمية. وفي المقابل، لا يحوّل الشعار السياسي تحطيم واجهة متجر إلى تعبير ديمقراطي.
كلفة جماعية لا يجمعها تقرير وطني واحد
لا يوجد حتى الآن حساب وطني موحد يجمع، لكل يوم تعبئة، ساعات حفظ النظام، وخسائر التشغيل، وإلغاءات السفر، والتحويلات المرورية، والتنظيف، والأضرار المؤمَّن عليها، والوقت الذي يفقده المستخدمون. غياب القياس يفتح الباب للمبالغة من جميع الأطراف، لكنه يمنع المواطن أيضًا من معرفة ما إذا كانت الوسيلة المستخدمة متناسبة مع النتيجة التي حققتها.
العمل والإنتاج. الموظف الذي لا يصل إلى عمله، والشحنة التي تتأخر، والموعد الطبي الذي يُلغى ليست أرقامًا نظرية. تستطيع المؤسسات الكبرى امتصاص جزء من الصدمة، بينما يتحملها الحرفي والمطعم والشركة الصغيرة مباشرة.
السياحة الدولية. الزائر الأجنبي لا يعرف تعقيدات المشهد النقابي الفرنسي. ما يراه هو قطار ملغى، أو متحفًا يتعذر الوصول إليه، أو صور اشتباكات تتكرر على الشاشات. وفي باريس، تعد القدرة على التخطيط والثقة في الحركة جزءًا من القيمة الاقتصادية للوجهة.
الأمن. كل عملية طويلة لحفظ النظام تشغل وحدات أمنية عن مهام أخرى. وقد سجل ديوان المحاسبة الفرنسي منذ عام 2018 تصاعدًا في العنف والتخريب وإصابات القوات المتحركة.
التجارة والتأمين. إغلاق متجر احترازيًا، وحماية واجهته، وإصلاح الضرر أو التصريح به لشركة التأمين له ثمن ينتقل لاحقًا إلى الأقساط والأسعار والمالية العامة.
لا ينبغي أن تتحول حرية الاعتراض إلى ضريبة خفية يدفعها من لا يشاركون في النزاع.
قدّر اتحاد شركات التأمين الفرنسية كلفة أعمال الشغب الحضرية في يونيو 2023 بنحو 793 مليون يورو وأكثر من 17 ألف مطالبة. هذا الرقم لا يقيس كلفة التظاهرات السلمية ولا يجوز نسبه إليها. لكنه يوضح حجم الفاتورة عندما ينتقل النزاع إلى العنف، ولذلك يجب وضع كل رقم في سياقه بدقة.
باريس ليست مسرحًا تلقائيًا لكل صراعات العالم
تستضيف العاصمة تجمعات مرتبطة بأزمات أو حكومات تبعد آلاف الكيلومترات: مصر، السودان، دول أفريقية أخرى، الشرق الأوسط وغيرها. ومن حق أشخاص يعيشون في فرنسا — فرنسيين أو أجانب أو لاجئين أو أفرادًا من جاليات — أن يشهدوا لما يحدث أو يدافعوا عن أقاربهم أو يعبروا عن موقفهم. ولا يجوز أن تحدد الجنسية مقدار الحرية التي يتمتع بها الإنسان.
لكن السؤال الجاد هو: لماذا ينبغي أن يصبح التروكاديرو أو ساحة الجمهورية أو محيط المعالم الكبرى تلقائيًا خلفية لنزاع لا تملك السلطات الفرنسية قرار حله؟ حماية التجمع، وتحويل المرور، وتأمين الممتلكات تستهلك موارد فرنسية، كما يؤثر اختيار المكان في الصورة السياحية والدولية للعاصمة.
اقتراحنا واضح: عندما يكون موضوع التجمع نزاعًا خارجيًا خالصًا، ويستهدف صاحب قرار موجودًا خارج فرنسا، ولا يتعلق بأي قرار تملكه السلطات الفرنسية، فلا ينبغي السماح بتحويله إلى مسيرة في شوارع باريس أو أمام المواقع السياحية الكبرى. يبقى التعبير ممكنًا داخل مساحات مدنية مخصصة، أو في تجمع ثابت، أو عبر عريضة موثقة، أو بمخاطبة سفارة الدولة المعنية، أو من خلال جلسة استماع مؤسسية. لا ينبغي أن تتحمل فرنسا تلقائيًا الكلفة الأمنية والحضرية والسياحية لنزاع لا تملك حسمه.
يجب أن يتعلق هذا التنظيم بموضوع التظاهرة ومكانها وأثرها، لا بأصل الشخص وحده. فالمنع المبني حصريًا على الجنسية سيكون ضعيفًا قانونيًا وسيصرف الانتباه عن المشكلة الحقيقية: استخدام المجال العام الفرنسي وتمويله لعرض صراعات سياسية خارجية. وتطبق المعايير نفسها على الجميع.
حماية صورة فرنسا ليست مسألة تجميلية؛ إنها حماية للوظائف والاستثمار والعائد السياحي وحياة السكان وقدرة الشرطة على توجيه مواردها إلى الأخطار الأشد.
تقويم الإضرابات في مواجهة تقويم يصنع القيمة
تملك فرنسا مواسم ومعارض ومؤتمرات ومهرجانات وبطولات تجذب الزوار وتشغّل الفنادق والمطاعم والمتاجر ووسائل النقل. وإلى جوار هذه المواعيد استقر تقويم آخر: إشعارات الإضراب وأيام التعبئة. أصبح تكراره كافيًا لظهور منصات تجمع مواعيده كي يتمكن المسافرون والشركات من تعديل خططهم.
المعلومة المسبقة مفيدة، لكن تطبيع الظاهرة ليس كذلك. قد ينتهي الإضراب إلى اتفاق اجتماعي ضروري، كما تحتاج الأحداث الكبرى إلى إنفاق عام. الفارق أن العائد الاقتصادي للمعرض أو المؤتمر يُقاس غالبًا، بينما تتوزع كلفة يوم التعطيل بين الإدارات والشركات والتأمين والأفراد من دون كشف حساب جامع.
لذلك ندعو إلى تقرير عام سنوي يفصل بوضوح بين التظاهر السلمي والإضراب والحوادث وأعمال الشغب، ويعرض الكلفة والإصابات والأضرار والإغلاقات والتعويضات، وكذلك الاتفاقات التي تحققت. القياس ليس إدانة؛ إنه أداة تمكن البرلمان والمواطن من تقييم فاعلية كل وسيلة.
التكنولوجيا قناة قرار وليست زرًا دعائيًا
زر «نعم» أو «لا» لا يحل نزاعًا اجتماعيًا معقدًا. وقد تتحول الاستشارة الرديئة إلى أداة للتلاعب عبر سؤال منحاز أو حسابات متعددة أو حملة ممولة. المنصة الجادة يجب أن تحدد صاحب القرار المختص، وتعرض الحجج المتعارضة، وتتحقق من المشاركين، وتحمي سرية اختيارهم، وتنشر مراحل التفاوض، وتُلزم الجهة المعنية برد مسبب.
لهذا تستحق فكرة منصة تحمل مؤقتًا اسم France Dialogue دراسة جدوى عامة. تحصل النقابات فيها على قنوات موثقة لنشر مطالبها ومستنداتها والبدائل المطروحة. وتلتزم الإدارة أو جهة العمل بموعد واضح للرد. ويمكن للاستشارة أن تقيس موقف الفئة المعنية من دون أن تحل محل التصويت القانوني على الإضراب أو عمل البرلمان.
يجب أن تخضع المنصة لحوكمة مستقلة تضم المؤسسات والنقابات وأصحاب العمل والجمعيات والباحثين وخبراء حماية البيانات. ويكون تمويلها وقواعدها وصياغة أسئلتها قابلة للتدقيق. ولا يجوز بيع البيانات أو بناء ملفات سياسية عن المستخدمين. كما تبقى منافذ المشاركة الحضورية ضرورية لمن لا يجيدون استخدام الوسائل الرقمية.
جمعية PARIS RÉFÉRENCE، الناشر القانوني لمجلة OUISTARS Travel، هي صاحبة هذه المبادرة التحريرية وتعرض فكرتها على السلطات المختصة. الجمعية والمجلة لا تطلبان تطوير المنصة أو تشغيلها أو إدارتها، ولا المشاركة في توليها. ينتهي دورهما عند صياغة الاقتراح وتوثيقه وتقديمه. وإذا قررت الدولة دراسته، فيجب أن يخضع التصميم والحوكمة والتشغيل لإجراء عام مستقل.
هدنة لعشر سنوات في الخدمات الأساسية
تعيش فرنسا مفارقة يصعب استمرارها: الشرطة ورجال الإطفاء والعاملون في الصحة قد يخرجون هم أنفسهم إلى الشارع للمطالبة بالكوادر والمعدات والأجور والحماية، بينما يجب على هذه الخدمات أن تواصل حماية السكان، وعلى الشرطة أن تؤمّن تظاهرات الآخرين. وقد يتعرض أفراد الشرطة المكلفون بحماية المسيرات للرشق بالحجارة أو القضبان أو قذائف الألعاب النارية وغيرها. وهكذا تدفع الدولة مرتين: مرة لأنها لم تعالج مبكرًا مطلبًا هيكليًا، ومرة لتأمين ظهوره في الشارع.
نقترح عقد استقرار وطنيًا لعشر سنوات للشرطة والأمن المدني والمستشفيات. في مقابل هدنة تفاوضية توقف المسيرات المهنية وتعطيل المهام الأساسية، تعتمد الدولة والبرلمان خطة عشرية ممولة تشمل الكوادر والأجور والمعدات والصحة المهنية والحماية القانونية والمباني والتدريب. ويمنع التقييم البرلماني السنوي والوساطة الملزمة وبند إعادة فتح الاتفاق عند الإخلال به تحول الهدنة إلى شيك على بياض.
يمتد هذا المبدأ من افتتاحيتنا السابقة: «من يريد باريس آمنة فليدعم من يحميها»، التي دعت إلى عقد لعشر سنوات بين الشرطة والمجتمع. وينبغي نشر أي وفر فعلي ينتج عن خفض انتشار حفظ النظام والساعات الإضافية والتعطيل، ثم توجيهه أولًا إلى الأفراد والمعدات وعلاج المصابين. ولا نقدم رقمًا ماليًا قبل وجود تدقيق رسمي.
لا يمكن فرض هذه الهدنة بشعار؛ فهي تحتاج إلى اتفاق اجتماعي وأساس قانوني وضمانات قابلة للإنفاذ. لكنها تحدد اتجاهًا واضحًا: معالجة احتياجات من يحمون ويعالجون الناس لعشر سنوات، بدل انتظار تظاهرتهم التالية.
رسالة إلى مؤسسات الجمهورية
إلى وزارة الداخلية ومحافظة شرطة باريس: نطالب بسياسة أكثر حماية للمواقع السياحية والتراثية الكبرى، تسمح بتقييد التجمعات الكبيرة فيها خلال فترات الذروة وفق قرار مسبب، مع توفير أماكن بديلة ظاهرة وآمنة ويمكن الوصول إليها.
إلى رئاسة الجمهورية: نطالب بفتح مشروع وطني لحل النزاعات قبل وصولها إلى الشارع: استشارة موثقة، وساطة سريعة، رد عام ملزم، وتجربة مؤسسية لمنصة France Dialogue.
إلى الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ: نطالب بمهمة معلومات مشتركة لقياس الأثر الاقتصادي والسياحي والأمني والاجتماعي للإضرابات والتظاهرات وأعمال الشغب، وبإطار قانوني صارم للمشاركة المدنية الرقمية.
إلى مدينة باريس: نطالب بالتوفيق بين حرية التجمع وحماية السكان والتجارة والزوار والمعالم، على أساس معايير معلنة ومتماثلة للجميع.
ستة قرارات عملية
- التفاوض قبل إعلان الإضراب في الخدمات الأساسية، مع وساطة سريعة وإلزامية حيث يسمح القانون.
- حماية المواقع السياحية الكبرى بمعايير أكثر صرامة للمكان والتوقيت والمسار والضوضاء، مع بدائل حقيقية.
- التفاوض على هدنة استقرار لعشر سنوات للخدمات الأساسية تتضمن التزامات ممولة ورقابة برلمانية سنوية ووساطة ملزمة.
- عزل المجموعات العنيفة سريعًا وملاحقة مرتكبي الجرائم، مع حماية المتظاهرين السلميين والصحفيين وقوات الأمن.
- نشر الكلفة والنتائج لكل حركة كبيرة، من دون خلط الاحتجاج السلمي بأعمال الشغب.
- اختبار France Dialogue ستة أشهر تحت رقابة مستقلة ونشر النتائج كاملة، حتى إذا أخفقت التجربة.

ما الذي لا تطالب به هذه الافتتاحية؟
لا نطالب بمنع شامل للإضراب أو التظاهر، ولا بقواعد مختلفة وفق أصل المنظم، ولا بمنح الإدارة سلطة بلا رقابة قضائية، ولا بتصويت إلكتروني يلغي المؤسسات التمثيلية.
نطالب بأن يعود الشارع إلى موقعه كملاذ أخير، لا كاستجابة أولى؛ وأن تتوقف المعالم عن كونها خلفية معتادة لنزاعات لا ترتبط بها؛ وأن تُقاس الكلفة الجماعية؛ وأن توفر الدولة قنوات اعتراض تنتج ردًا وتفاوضًا وقرارًا.
يمكن لفرنسا أن تبقى حرة من دون الاعتياد على الاستنزاف
لا تقاس الديمقراطية بصمت شوارعها، بل بقدرتها على سماع الخلاف وحماية من يعبرون عنه سلميًا ومنعه من التحول إلى عنف أو شلل مفتوح. ولا يتعين على فرنسا أن تختار بين الحرية والاستقرار؛ عليها أن تنظم الأولى بصورة أفضل كي تحمي الثانية.
رسالتنا إلى المسؤولين واضحة: افتحوا القنوات قبل تشكل المواكب، قيسوا ما تكلفه كل وسيلة وما تحققه، احموا باريس وزوارها، وامنحوا المواطن ضمانة بأن الاعتراض الموثق سيقابل برد. التقدم الديمقراطي لا يعني إلغاء الاحتجاج، بل إيجاد مخرج أكثر فاعلية من المواجهة المتكررة.
المصادر والنصوص المرجعية
- المجلس الدستوري الفرنسي — الكتلة الدستورية وديباجة 1946
- المجلس الدستوري — التوفيق بين حق الإضراب والمصلحة العامة
- Service-Public — تنظيم التظاهرات في الطريق العام
- Service-Public — الإضراب في الوظيفة العامة
- ديوان المحاسبة — القوات المتحركة وحفظ النظام
- France Assureurs — حصيلة أعمال الشغب الحضرية في يونيو 2023
- CGT — دعوة تعبئة 29 سبتمبر 2026
- المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان — حرية التجمع السلمي
- الشرطة الوطنية 2030 — الضغط العملياتي وتأمين التظاهرات
- وزارة الداخلية — تظاهرة رجال الإطفاء والحوار الاجتماعي
هذا مقال رأي تحليلي يستند إلى مصادر عامة، ويميّز بوضوح بين الوقائع والتحليل والمقترحات التحريرية.
















