مقهى باريسي تاريخي أسفل مبنى بطراز هوسمان
مقهى ومشهد شارع باريسي: التجارة الحية جزء من هوية العاصمة الثقافية والسياحية. تصوير: ناثان سيما / أنسبلاش.

oui stars Travel Intelligence · افتتاحية رئيس التحرير

تستطيع باريس أن تحمي انفتاحها وحرية الاعتقاد، وأن تتصدى في الوقت نفسه للنزعات الانفصالية والتشدد، وتصون مساواة المرأة والفضاء العام المشترك والهوية الثقافية التي جعلت المدينة من أثمن الوجهات السياحية في العالم.

باريس ليست مجرد بلدية، ولا مجموعة من المعالم الشهيرة. إنها فكرة لها وزن اقتصادي: واجهات هوسمان، ومقاهٍ تبدو فيها الأحاديث جزءًا من الأثاث، وورش حرفية، ومكتبات ومخابز ودور أزياء ومتاحف وشرفات وشوارع لا تخطئها العين. هذه الهوية الواضحة ليست حنينًا زخرفيًا إلى الماضي، بل رأسمال منتج.

هي التي تجذب السائح الثقافي، وعميل الرفاهية، والطالب، والمستثمر، وصانع الأفلام، والزائر الدولي مرتفع الإنفاق. وهي التي تغذي الفنادق والمطاعم والتجزئة والحرف والموضة والقوة الناعمة الفرنسية. وحين تفقد الوجهة خصوصيتها، لا تكون الخسارة ثقافية فحسب؛ بل تضعف قيمتها الاقتصادية أيضًا.

تطرح هذه الافتتاحية سؤالًا صعبًا، لكنه مشروع: هل يمكن أن تستغل تيارات متشددة أو انفصالية منظمة تسامحًا ديمقراطيًا صُمم أصلًا لحماية الحرية، فتستخدمه لتضييق حرية الآخرين؟ لا يجوز أن تأتي الإجابة بخلط دين كامل بأيديولوجيا، أو ملايين المواطنين بمن يدّعون احتكار الحديث باسمهم.

خط أحمر لا تتجاوزه هذه الافتتاحيةالإسلام ليس الإسلاموية، والمسلمون ليسوا حركات متطرفة. حرية الدين لا تعني فرض قواعد دينية أو اجتماعية على عموم الناس في الفضاء العام. لا يدعو هذا المقال إلى ملاحقة لباس مشروع أو عبادة مشروعة، ولا إلى استهداف أصل أو عرق أو جنسية. موضوعه هو الأيديولوجيا القسرية، والانفصالية، ومسؤولية المؤسسات عن ضمان المواطنة المتساوية.

العلمانية ضمان للحرية وليست عداءً للثقافة

لدى فرنسا إطار قانوني محدد. يشرح ملف مجلس الدولة الفرنسي عن العلمانية التوازن المقصود: حياد الدولة والمرافق العامة، وحماية حرية الضمير والعبادة، وحق مستخدمي المرفق العام في التعبير عن معتقداتهم ضمن القيود التي يقرها القانون والنظام العام وحسن سير الخدمة. وبذلك لا تكون العلمانية محوًا للإيمان، ولا ترخيصًا لممارسة ضغط ديني.

يحظر قانون عام 2010 ارتداء ما يقصد به إخفاء الوجه في الأماكن العامة، ويضع استثناءات محددة لأسباب صحية أو مهنية أو رياضية أو احتفالية أو فنية أو تقليدية. وهو ليس حظرًا عامًا للملابس الإسلامية. والدقة هنا ليست تفصيلًا؛ فالسياسة الجمهورية الجادة تبدأ من النص القانوني لا من الشك الثقافي.

أما قانون 24 أغسطس 2021 المعزز لاحترام مبادئ الجمهورية، فقد وسع واجب الحياد ليشمل الجهات التي تؤدي خدمات عامة، وأقر تعهدًا باحترام مبادئ الجمهورية للجمعيات التي تتلقى إعانات، وعزز شفافية إدارة الجمعيات الدينية وتمويلها. هذه أدوات قانونية نافذة، لكنها ليست دليلًا على أن كل ممارسة محافظة تمثل انفصالية.

ما الذي تثبته الأدلة الرسمية فعلًا؟

تناول تقرير لوزارة الداخلية نُشر في 21 مايو 2025 جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في فرنسا. وتكتسب صياغته أهميتها من حرصها على التناسب: دعا التقرير إلى تقدير الخطر على المستوى الوطني بحجمه الحقيقي، مع رصد خطر أيديولوجي محلي قائم في بعض المناطق. التقرير الإداري مادة للنقاش العام، وليس حكمًا جنائيًا على جمعيات أو أحياء أو مؤمنين لم يسمهم.

ويجب تناول التمويل الأجنبي بالقدر نفسه من الدقة. تتعين على بعض الجمعيات الدينية الإفصاح عن منافع مالية أجنبية تتجاوز 15,300 يورو. وأفاد تحقيق لمجلس الشيوخ بأن وزارة الداخلية تلقت، بين 25 أبريل 2022 و1 يوليو 2024، عدد 2,522 إقرارًا شملت 13,496 عملية مالية قيمتها 108.6 ملايين يورو. وشملت البيانات أكثر من ديانة؛ إذ مثلت الهيئات البروتستانتية 40.6% من القيمة، والهيئات الإسلامية 19.6%. لذلك لا تسوغ الأرقام تصوير التمويل الديني الأجنبي على أنه قضية إسلامية حصرًا.

لم نجد في المصادر الرسمية التي راجعناها ما يثبت ادعاءً عامًا بأن هوية باريس تُقايض بمصالح انتخابية، أو أن المحال ذات المنشأ الأجنبي تسبب التطرف. ولهذا استُبعدت هذه الاتهامات. المقهى الإماراتي أو المطعم الصيني أو متجر الأغذية الحلال نشاط تجاري؛ أما المشروعية القانونية والإكراه وسلوك المؤسسات فقضايا أخرى. ينبغي للاستثمار الأجنبي أن يضيف إلى باريس، لا أن يجعلها أقل شبهًا بباريس، لكن الجنسية ليست اختبارًا للانتماء أو الولاء المدني.

«العالم يأتي إلى باريس ليجد باريس.»

يجب أن تبقى باريس هي باريس

لا تُحمى الهوية بمراقبة الأذواق الخاصة، بل بصون المنظومة التي تجعل الحياة الفرنسية مرئية. أحصى مرصد التخطيط العمراني في باريس 60,846 متجرًا وخدمة وحانة ومطعمًا في عام 2023. وبلغ شغور الوحدات التجارية 10.9%، بزيادة 0.7 نقطة مئوية عن 2020. وزاد عدد الحانات والمقاهي والمطاعم، بينما تراجعت أنشطة الملابس والأحذية والمجوهرات. لا تواجه باريس انهيارًا واحدًا شاملًا؛ فالتحولات تختلف بين نشاط وآخر.

لكن الضغوط حقيقية. سجل المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية 16,200 حالة تعثر تجاري في إيل دو فرانس خلال 2025، بزيادة 2.4% عن 2024، وبلغت الزيادة في الإيواء والمطاعم 9.9%. لا تثبت هذه البيانات أن «باريس التاريخية» تختفي، لكنها توضح لماذا تحتاج المؤسسات المستقلة التي تواجه الإيجارات والطاقة والأجور والديون وتقلب الطلب إلى اهتمام جدي.

قرابة 50 مليونًاعدد زوار منطقة باريس في 2025 وفق هيئة السياحة الإقليمية.
نحو 24 مليار يوروقيمة الاستهلاك السياحي في 2025، منها قرابة 16 مليارًا من الزوار الدوليين.
329 كيلومترًامن الشوارع المشمولة بالحماية التجارية في المخطط العمراني المناخي لباريس، إلى جانب 29 كيلومترًا للحرف و9 كيلومترات للأنشطة الثقافية.
2,500 منتجحصلت على علامة «صُنع في باريس» لدى 1,357 شركة منذ 2017، وفق بيانات المدينة في مايو 2025.

سجلت هيئة السياحة الإقليمية قرابة 50 مليون زائر في 2025، بينهم أكثر من 23 مليون زائر دولي، واستهلاكًا سياحيًا يقارب 24 مليار يورو، أسهم الأجانب بنحو 16 مليارًا منها. تبيّن الأرقام حجم الرهان الاقتصادي، لكنها لا تثبت أي تغير بصري أو اجتماعي بعينه في قرار السفر. إثبات هذه العلاقة يحتاج إلى بحوث للزوار، لا إلى خطابة.

تمتلك باريس أدوات للحماية. يحدد المخطط العمراني المحلي المناخي 329 كيلومترًا للحماية التجارية، و29 كيلومترًا للحرف، و9 كيلومترات للأنشطة الثقافية. وحتى مايو 2025، كانت علامة «صُنع في باريس» قد كرمت 2,500 منتج من 1,357 شركة منذ 2017. كما سجل تجمع «باريس للتجارة» ذي المنفعة العامة 225 نشاطًا جديدًا في 2024، منها 58 حرفة. غير أن فاعلية هذه البرامج يجب أن تقاس بالاستمرار والقدرة على تحمل الكلفة وتوارث المهن، لا بعدد الافتتاحات والشعارات وحده.

ملاحظة مهنية وليست إحصاءً

خلال سنوات من العمل المهني مع زوار سعوديين وخليجيين، ومن بينهم شخصيات مهمة، سمعت بنفسي بعضهم يعبر عن دهشته من وجود بيئات اجتماعية أو دينية شديدة المحافظة في أجزاء من باريس. هذه ملاحظة ميدانية وليست استطلاعًا؛ فلا تمثل جميع زوار الخليج، ولا تقيس المدينة. قيمتها أضيق من ذلك: إنها تكشف توقعًا سياحيًا يستحق الدراسة. فالزائر يقطع آلاف الكيلومترات ليعيش باريس، لا ليعيد إنتاج البيئة التي غادرها.

وينطبق الأمر نفسه على الزائر الصيني أو الأميركي أو الأفريقي أو الأوروبي. لا تصبح باريس أكثر عالمية حين يغدو من الصعب تمييزها عن بقية العالم. جزء من قوتها الدولية أنها تستقبل العالم من دون أن تكف عن كونها باريس.

المفارقة السعودية في حدودها الصحيحة

السعودية ليست نموذجًا سياسيًا لفرنسا، ومؤسسات البلدين غير قابلة للمقارنة المباشرة. لكن إصلاحاتها الحديثة تطرح مفارقة مفيدة. بدأ تطبيق السماح للنساء بقيادة السيارات في 24 يونيو 2018. وفي 2019 أُعلنت تعديلات أتاحت للمرأة السعودية استخراج جواز سفر، والسفر بعد سن الحادية والعشرين من دون موافقة مسبقة، إلى جانب تعديلات في الأحوال المدنية والعمل. وانطلقت التأشيرة السياحية الإلكترونية في سبتمبر 2019، بداية لمواطني 49 دولة، فيما توسعت مؤسسات الترفيه والسياحة والثقافة ضمن رؤية 2030.

ذكر التقرير السنوي الرسمي لرؤية 2030 لعام 2024 أن مشاركة النساء في سوق العمل بلغت 33.5% في الربع الثالث من 2024، مقارنة بخط أساس قدره 22.8% في 2016، ثم رُفع الهدف الأصلي البالغ 30% إلى 40%. هذه نتائج رسمية معلنة، وليست برهانًا على حل جميع قضايا المساواة أو انتهاء النقد الحقوقي.

ومن هنا يأتي السؤال التحريري المحدد: إذا كانت بعض القيود الاجتماعية شديدة المحافظة تتراجع في مجتمع ارتبط بها تاريخيًا، فلماذا تكتسب تفسيرات متشددة مساحة لإعادة إنتاج نسخ قسرية منها في الحياة العامة الأوروبية؟ لا تكون الإجابة بالريبة الجماعية، بل بقانون واحد للجميع، وحماية من يتعرضون للضغط، وثقة راسخة في المؤسسات الديمقراطية.

الاندماج مشروع متبادل

يربط مسار الاندماج الجمهوري الفرنسي أصلًا بين الإقامة القانونية واللغة والمعرفة المدنية ومبادئ الجمهورية. ومنذ 1 يناير 2026، يطبق اختبار مدني على فئات محددة من طالبي بطاقات الإقامة متعددة السنوات والإقامة الدائمة والتجنس. لكن الاختبارات وحدها لا تصنع الانتماء؛ فالاندماج يحتاج أيضًا إلى العمل والتعليم والسكن والمشاركة والحماية من التمييز.

وفي المقابل، يجب أن تكون المؤسسات قادرة على مواجهة الترهيب والتمويل غير المشروع والتمييز ضد النساء والتهديدات والمحاولات المنظمة لإحلال سلطة أيديولوجية محل القانون الجمهوري. والميزان هنا هو الفعل والدليل، لا الاسم أو الأصل أو الاعتقاد المفترض.

2030 أفق تحذير لا موعد تنبؤ

بضع سنوات تكفي لتغيير مزيج التجارة في حي ما، وإيجاراته وواجهاته وصورته لدى الزوار وموقعه التنافسي. حين نذكر 2030، لا نتنبأ بأن باريس «ستفقد هويتها» في تاريخ محدد. إنه تحذير من أن القرارات المتراكمة اليوم قد يصعب عكسها غدًا.

الخطر ليس في ازدياد الأعمال الدولية؛ فالتفاعل مع العالم جزء من تاريخ باريس. الخطر هو أن تجتمع سياسة تراث ضعيفة، وإزاحة للمتاجر، وتطبيق غير كافٍ لقواعد العمران، وتردد مؤسسي أمام الأيديولوجيا القسرية، وضعف دعم الإبداع الفرنسي، فتجعل المدينة أقل تميزًا وأقل حرية. السياحة الثقافية وسياحة الرفاهية لا تعتمدان على الفنادق والمعالم وحدها، بل على صدقية المكان في الشوارع التي تصل بينها.

رسالة مباشرة إلى صناع القرار الفرنسيين

لا ينبغي لفرنسا أن تختار بين الانفتاح والهوية. على وزارة الداخلية تطبيق القانون الجمهوري على الوقائع المثبتة من إكراه وتهديد وبنى انفصالية وتمويل غير مشروع، بدقة وضمانات قضائية. وعلى وزارة الثقافة أن تتعامل مع المهن الحية والموضة والمقاهي والمكتبات والحرف والمشهد العمراني بوصفها جزءًا من الاقتصاد الثقافي. وعلى سلطات الاقتصاد والسياحة قياس أثر الإيجارات وانتقال الملكية والإغلاق في قيمة الوجهة. وعلى باريس نشر نتائج واضحة لحماية الشوارع التجارية ودعم المحال.

ينبغي للمسؤولين المنتخبين أن يرفضوا الإنكار واللوم الجماعي معًا. احموا حرية العبادة. احموا المسلمين من التمييز. احموا النساء والمخالفين داخل جماعاتهم من الضغط. دافعوا عن العلمانية والمساواة والاندماج والفضاء العام المشترك. وصونوا العمارة والمتاجر التاريخية والموضة الفرنسية والحرف والحياة الثقافية.

الغاية ليست الإقصاء ولا تحويل المدينة إلى متحف. الغاية عاصمة واثقة، تتغير من دون أن تتخلى عما يعبر العالم الحدود ليجده فيها. يجب أن تبقى باريس هي باريس.

الخلاصة

المدينة الحرة لا تفرض التشابه، بل تبني فضاءً مدنيًا مشتركًا تعيش فيه الاختلافات من دون إكراه. والوجهة العظيمة لا تجمّد ماضيها، بل تحمل ذاكرة واضحة الملامح إلى المستقبل.

السؤال ليس هل تستقبل باريس العالم. انفتاحها إحدى نقاط قوتها. السؤال هو: هل تستطيع السياسة العامة استقبال الاستثمار والهجرة والإيمان والإبداع، مع حماية القانون المشترك والمنظومة الثقافية التي تمنح المدينة معناها؟

العالم يأتي إلى باريس ليجد باريس. وعلى فرنسا أن تضمن بقاءها كذلك.

المنهجية: تستند هذه الافتتاحية الموقعة إلى نصوص قانونية وتقارير مؤسسية وبيانات رسمية اقتصادية وتجارية وسياحية متاحة في سبتمبر 2026. وُصفت ملاحظة أسامة سماحة المهنية بوضوح بأنها شخصية وغير إحصائية. ولم يُفترض وجود علاقة سببية بين تغير ديموغرافي أو تجاري والطلب السياحي من دون بيانات.

2

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here