حكاية فندق · باريس، الحلقة السادسة
منذ أكثر من قرن، تحوّلت المظلات الحمراء والشرفات المزروعة بالزهور على أفينيو مونتين إلى صورة تختصر باريس. لكن الأحمر هنا ليس زينة فقط. خلف الواجهة فندق وُلد إلى جوار مسرح أحدث ثورة فنية، عبرته جيوش الحرب، واتخذه كريستيان ديور امتداداً لعالم الأزياء، ثم تركت قصة حب على شرفاته لوناً يتجدد كل ربيع.
يظهر بلازا أتينيه في الصور مثل وعد جاهز بباريس: حجر فاتح، حديد أسود، زهور حمراء، وبرج إيفل في الأفق. لكن أهميته أعمق من المشهد. فقد ساهم الفندق في صناعة هوية الحي نفسه. قبل أن يصبح أفينيو مونتين عنواناً عالمياً للأزياء الراقية، كان الفندق يجذب الجمهور الذي تبحث عنه دور الموضة. ثم عبرت الموضة الشارع إليه.
هذه ليست مراجعة فندقية ولا مادة إعلانية. إنها حكاية موثقة لقصر باريسي تعلّم كيف يجعل الضيافة تشبه الخياطة الراقية، من دون أن يخفي الطبقات الأكثر تعقيداً وراء شرفاته الحمراء.
اسم كاد أن يؤجل الافتتاح
في 1911، قرر صاحب الفنادق جول كاديّا بناء فندق كبير في أفينيو مونتين. وضع المعماري شارل لوفيفر تصميماً انتقائياً بواجهة من الحجر المنحوت وشرفات من الحديد المطاوع. بدا المبنى وريثاً لقصور باريس الكلاسيكية، لكنه كان يستقبل مدينة تدخل زمناً أكثر جرأة وحداثة.
أُعلن الافتتاح في ربيع 1913، غير أن اسم «بلازا» لم يكن محمياً قانونياً، فاعترض عليه منافس. ووفق التاريخ الموثق لأفينيو مونتين، أضاف المدير العام إميل أرمبروستر كلمة «أتينيه»، وافتتح Hôtel Plaza Athénée رسمياً في 20 أبريل 1913.
كان مسرح الشانزليزيه قد فتح أبوابه على مقربة منه قبل أسابيع قليلة، بعمارة خرسانية وبرنامج فني هزّ الأذواق التقليدية. بعد العروض، كان الفنانون والملحنون والنقاد والرعاة يتجهون نحو الفندق. هكذا بدأ بلازا أتينيه مرتبطاً بالطاقة الثقافية للشارع، لا منعزلاً عنها.

قصر بإيقاعين
يسجل ملف وزارة الثقافة الفرنسية أن المجمع الحالي شُيّد على مرحلتين بين 1912 و1919، ثم توسع خلال العشرينيات. تحترم الواجهة الإيقاع الرأسي المنظم لأفينيو مونتين، بينما تدفع الشرفات البارزة الغرف نحو مسرح الشارع.
في الداخل، تشكلت لغتان بصريتان. الغرف الكلاسيكية تعتمد القوالب الجصية والحرير والثريات ونسب الشقة الأنيقة، بينما تتقدم هندسة الآرت ديكو في مساحات أخرى. ظهر التباين بوضوح عام 1936 مع افتتاح لو ريليه بلازا بتصميم كونستان لوفران، مستلهماً قاعة طعام الدرجة الأولى في السفينة نورماندي.
عمارة الفندق ليست لحظة محفوظة تحت الزجاج، بل تسلسل من الطموح السابق للحرب، والتوسع بين الحربين، وأناقة عابرات المحيط، ثم ترميمات بحساسية الأزياء الراقية. وفي 1994، أُدرجت الواجهة والسقف والردهة والممر الرئيسي وقاعة الطعام وصالون مونتين ضمن الحماية الجزئية للآثار التاريخية.

عقود أولى لم تكن سهلة
يكشف إعلان منشور عام 1923 أن الفندق كان يسوّق باريس دولياً منذ بداياته. لكن أوروبا لم تمنحه زمناً هادئاً. تقاطعت سنواته الأولى مع الحرب والاضطراب الاقتصادي، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتبدّل وظيفة المكان.
احتلت القيادة الألمانية الفندق أولاً، ثم استخدمته القيادة الأميركية. ولم تعد الحياة الفندقية التجارية إليه إلا في 1946. غرف خُصصت للسلطة العسكرية كان عليها أن تعود إلى الضيافة المدنية، فيما كانت باريس تستعيد ثقتها الثقافية.
أما لو ريليه بلازا، الذي افتتح قبل الحرب، فبقي واحداً من أكثر مطاعم الآرت ديكو تميزاً في المدينة. كانت عودته جزءاً من عودة أوسع للمطاعم والمسارح ودور الأزياء بوصفها علامات على استئناف الحياة العامة.

حين عبرت الأزياء الراقية أفينيو مونتين
فهم كريستيان ديور جمهور الفندق قبل أن يتحول الشارع إلى العنوان الأكثر كثافة للأزياء الراقية. أسس داره في 30 أفينيو مونتين أواخر 1946، وقدم في 1947 المجموعة التي عُرفت لاحقاً باسم «نيو لوك». في الجهة المقابلة، كان بلازا أتينيه يستقبل الزبائن الدوليين والمحررين والوجوه الاجتماعية التي أرادت الدار الجديدة الوصول إليها.
صار ديور زائراً منتظماً، ويوثق الفندق عروض أزياء وجلسات تصوير أقيمت في غرفه. ثم لحقت به دور أخرى. لم تكن العلاقة مجرد زينة؛ الفندق قدم الجمهور، ودار الأزياء منحت الشارع هوية جديدة. معاً، جعلا أفينيو مونتين اسماً مفهوماً حول العالم.

استمرت الصلة بعد وفاة ديور. توثق صورة من 1962 صحفية الموضة ماري جاك بيرييه في عشاء داخل بلازا أتينيه تكريماً لمصمم الأحذية شارل جوردان. وتكشف الصورة دور الفندق الأكثر تأثيراً: لم يكن خلفية للموضة فحسب، بل إحدى الغرف التي التقت فيها شبكاتها وقررت ما يستحق الانتباه.

لو استطاعت الجدران أن تتكلم: لماذا احمرت الشرفات؟
ترتبط أشهر علامة في الفندق، وفق الرواية الموثقة لديه، بقصة الحب بين الممثل الفرنسي جان غابان ومارلين ديتريش. التقيا على العشاء في لو ريليه بلازا خلال أربعينيات القرن الماضي، وصارا يعودان إلى الفندق معاً.
عندما اشترت ديتريش شقة في الجهة المقابلة، طلب غابان من الكونسيرج وضع مئة وردة حمراء على شرفة الغرفة التي جمعتهما، لتراها من نافذتها. كان العثور على ذلك العدد من الورود وإبقاؤها حية غير عملي، فاختار الفندق زهور إبرة الراعي الحمراء.
عاشت الفكرة أطول من العلاقة. انتشرت الزهور على الواجهة وصارت جزءاً دائماً من صورتها. ما يبدو اليوم قراراً بصرياً محكماً بدأ، بحسب حكاية الفندق، رسالة مرتجلة عبر شارع باريسي. تستمر القصة لأنها تفسر المبنى باللون؛ لا يُحفظ بلازا أتينيه في الذاكرة بالحجر والعمارة فقط، بل بأحمر يولد من جديد كل ربيع.

تحولات وتوسع وجدال عام
انضم بلازا أتينيه إلى Dorchester Collection عام 2001. حافظت التجديدات اللاحقة على الحوار بين الكلاسيكية والآرت ديكو. أُغلق الفندق في 2013 لتوسعة وترميم كبيرين، ثم عاد في 2014 بعد دمج مبان مجاورة ضمنه.
وفي 2024، أنجز Moinard Bétaille تجديد 49 غرفة وجناحاً في الطابقين الخامس والسادس، بينها الجناح الملكي. حافظ المشروع على القوالب والزخارف وأرضيات باركيه فرساي، وأضاف ألواناً وحريراً مصنوعاً خصيصاً وتفاصيل تستلهم اللبلاب المتسلق في لا كور جاردان.
وضعت الملكية الفندق أيضاً في نقاش عام أوسع. ترتبط Dorchester Collection بهيئة استثمار بروناي، وشملت دعوات المقاطعة الدولية في 2014 ثم 2019 بلازا أتينيه، على خلفية قانون العقوبات في بروناي. ذكر هذا الجدل جزء من رواية الفندق بأمانة؛ القيمة المعمارية والأسئلة المتعلقة بالملكية قد تجتمعان في العنوان نفسه.
بلازا أتينيه اليوم
يضم الفندق 154 غرفة و54 جناحاً. يمتد الجناح الملكي على نحو 450 متراً مربعاً بأربع غرف نوم وأربعة حمامات. تؤطر أجنحة إيفل البرج من شرفاتها، بينما يقدم L’Appartement خطوطاً من الآرت ديكو وتراساً خاصاً. الجاذبية بصرية، لكن أفضل الغرف تمنح ضيفها شعور الإقامة في بيت باريسي خاص.
في سبتمبر 2026، افتتح الفندق فصلاً جديداً مع مطعم La Grande Table du Plaza Athénée الحاصل على نجمة ميشلان. يقوده الشيف التنفيذي جوسلين هيرلان، والشيف أنتوني دي بروسبيرو، وشيف الحلويات أنجيلو موسا. تعيد قائمته قراءة التراث الفرنسي ووصفات قد يعود بعضها إلى قرون، حول طاولة من رخام بريشيا الوردي وتحت عشرين ألف ورقة ذهبية.
يبقى لو ريليه بلازا البراسيري ذات الروح الآرت ديكو، وتقوده فيكتوريا بولر. لا غاليري صالون اليوم الطويل، ولا كور جاردان تتغير مع الفصول، ولو بار يمنح الفندق وجهاً ليلياً معاصراً. ويكمل Dior Spa علاقة بدأت في الجهة الأخرى من الشارع قبل أن تنتقل إلى داخل القصر.

لماذا لا يزال المسافرون يختارونه؟
لأنه يقدم نسخة متكاملة من باريس. بيوت الأزياء خارج الباب، ونهر السين وبرج إيفل قريبان لنزهة مسائية، والشانزليزيه والقصر الكبير داخل المثلث الذهبي نفسه. يختاره الضيوف للتناقض بين واجهة يعرفها العالم وغرف تمنح الخصوصية، وللأزياء والشرفات وتجارب الطعام وDior Spa.
لكن السبب الأعمق هو الهوية. فنادق فاخرة كثيرة تعد بالرخام والزهور والإطلالة. أما بلازا أتينيه فيشير إلى شارع ساهم في تغييره، ولغة تصميم نمت طوال قرن، وشرفات حمراء تحمل حكاية يتذكرها المسافر قبل أن يصل.
الموقع عملياً
العنوان: 25 أفينيو مونتين، 75008 باريس، فرنسا.
الحي: المثلث الذهبي في الدائرة الثامنة.
أقرب مترو: ألما مارسو، الخط 9؛ فرانكلين د. روزفلت، الخطان 1 و9.
بالقرب منه: السين، برج إيفل، القصر الكبير، مسرح الشانزليزيه ودور أزياء أفينيو مونتين.
الموقع الرسمي: Hôtel Plaza Athénée.
اجعل باريس هذه لك
أفينيو مونتين لا يحتاج إلى زيارة عابرة بقدر ما يحتاج إلى رحلة مضبوطة على مقاسك. تستطيع OUISTARS تنسيق الفصل العملي كله: استقبال شخصي في المطار، سيارة خاصة إلى الفندق، وبرنامج باريسي يجمع الأزياء والمطاعم والثقافة وضفاف السين. أنت تختار الحكاية، ونحن نجعل الوصول والتنقل أكثر سلاسة.
خطّط لوصول مصمم على مقاسك في باريس مع OUISTARS ←
خدمات OUISTARS للقراء منفصلة عن الاختيار والتحرير الصحفي لهذه القصة.
شاهد بلازا أتينيه في فيلم فرنسي رسمي
فيلم نشرته France.fr ضمن Palaces de France، ومضمّن من قناة الناشر الأصلية. لم يُحمّل أو يُعد نشره.
الاستقلال التحريري: اختارت oui stars Travel هذه القصة وأنتجتها بصورة مستقلة. لا يعني نشرها وجود رعاية أو شراكة أو إقامة مجانية أو تأييد أو علاقة تجارية مع الفندق. رابط OUISTARS خدمة منفصلة للقارئ ولم يؤثر في التحرير.
ملاحظة البحث: دُققت الوقائع بالرجوع إلى تاريخ الفندق، وسجل وزارة الثقافة الفرنسية، وتاريخ أفينيو مونتين، ورواية الزهور الحمراء. تظهر حقوق الصور ومصادرها في التعليقات.
تابع موسم باريس: أوتيل دو كريون · ريتز باريس · فور سيزونز جورج الخامس · لوتيتيا · لو موريس
أسامة سماحة
رئيس التحرير، oui stars Travel








