وجوه صنعت فرنسا | موسم العمارة
بقلم أسامة سماحة، رئيس تحرير oui stars Travel
أهم ما صممه كريستيان دو بورتزامبارك ليس برجًا ولا قاعة موسيقى، بل الفراغ بين المباني. هناك، في المسافة التي تسمح للضوء بالعبور وللمدينة بأن تتنفس، ولدت فكرته الأكثر تأثيرًا: «الكتلة الحضرية المفتوحة».
امشِ في حي ماسينا على الضفة اليسرى لباريس، قرب المكتبة الوطنية، وستشعر بأن شيئًا مألوفًا قد تغيّر. ما زالت الشوارع واضحة، وما زالت المباني ترسم حافة المدينة، لكن الواجهات لا تتصل في جدار واحد متواصل. تنفصل الكتل، تتفاوت ارتفاعاتها، وتنفتح بينها مشاهد نحو حدائق وفناءات وسماء. لا تختفي المدينة داخل مخطط حر، ولا تُغلق داخل مربع حجري. إنها تتقدم وتتراجع، تتماسك ثم تترك منفذًا للنظر.
هذه ليست حيلة شكلية. إنها إجابة عن سؤال لازم دو بورتزامبارك منذ بداياته: كيف يمكن للعمارة الحديثة أن تحتفظ بوضوح الشارع، من دون أن تعود إلى تكرار واجهات القرن التاسع عشر؟ وكيف يمكن للمدينة أن تمنح كل مبنى الضوء والهوية، من دون أن تتحول إلى جزر معزولة وسط فراغ بلا حدود؟
من مساكن اجتماعية متواضعة في الدائرة الثالثة عشرة إلى قاعات موسيقى ومدن ثقافية وأبراج عالمية، بقيت الإجابة تتغير، لكن الفكرة لم تغب: المبنى لا يعيش وحده. قيمته تبدأ من علاقته بما حوله، ومن نوع الحياة التي يجعلها ممكنة.

من الدار البيضاء إلى باريس: معماري بدأ بالشك
وُلد كريستيان دو بورتزامبارك في الدار البيضاء في 5 مايو 1944، ودرس في مدرسة الفنون الجميلة في باريس بين 1962 و1969. كان يرسم قبل أن يبني، ولا يزال الرسم بالألوان المائية جزءًا من طريقته في التفكير. لكن سنوات التكوين لم تمنحه إيمانًا مريحًا بالعمارة الحديثة؛ بل جعلته يشك في وعودها الكبرى.
في 1966 أمضى فترة في نيويورك، ثم جاءت اضطرابات 1968 والأسئلة الاجتماعية التي أحاطت بها. بعد التخرج، لم يندفع مباشرة إلى إنتاج مبانٍ تحمل توقيعًا بصريًا. انشغل بدراسة الأحياء والسكان والكيفية التي يستعمل بها الناس الفضاءات التي يصممها الآخرون لهم. كان يريد أن يفهم لماذا بدت بعض مشاريع الإسكان الحديثة، على الرغم من نقاء مخططاتها، فقيرة في الحياة الحضرية.
لم يكن رفضه موجهًا إلى الحداثة نفسها بقدر ما كان موجهًا إلى اختزال المدينة في أجسام منفردة تحيط بها مساحات غير محددة. فالشارع، بالنسبة إليه، ليس أثرًا قديمًا يجب التخلص منه، بل مؤسسة يومية: عنوان، وعتبة، ومكان لقاء، وحد يفصل بوضوح بين العام والخاص. وفي المقابل، لم يكن يريد استنساخ كتلة هوسمان المغلقة وواجهتها المتصلة كما لو أن القرن العشرين لم يحدث.
من هذا التوتر بنى مسيرته. وفي 1994، وهو في الخمسين، أصبح أول معماري فرنسي ينال جائزة بريتزكر. لم تكافئ الجائزة أسلوبًا يمكن نسخه، بل قدرة نادرة على الانتقال بين السكن والمدينة والمبنى الثقافي، مع اعتبار العمارة مسؤولية اجتماعية قبل أن تكون صورة.
الفكرة الحاسمة: ما الكتلة الحضرية المفتوحة؟
لفهم «الكتلة الحضرية المفتوحة»، تخيّل ثلاثة مشاهد. في المدينة التقليدية، تصطف المباني المتلاصقة على الشارع وتغلق فناءً داخليًا. وفي كثير من تخطيط ما بعد الحرب، يتحرر المبنى من الشارع ويقف منفردًا داخل مساحة مفتوحة واسعة، فتضعف الحدود بين العام والخاص. أما دو بورتزامبارك، فبحث عن تركيب ثالث: يبقى الشارع مقروءًا، لكن المباني تنفصل عن بعضها، وتتغير أحجامها ومواضعها، وتسمح الفجوات بدخول الضوء وامتداد النظر.
ليست الفكرة مخططًا جاهزًا ولا وصفة لواجهات متشابهة. هي أقرب إلى قواعد لعب: حد أقصى للاتصال على الشارع، مسافات تحفظ الضوء، تفاوت في الارتفاعات، وحرية لمعماريين مختلفين كي يصمموا داخل إطار حضري واحد. لذلك يمكن للحي أن يحتفظ بالتنوع من دون أن يفقد بنيته.
الفراغ هنا مادة تصميم، لا بقايا بين الكتل. ما يراه المار من الحديقة الخاصة، وما يصل إلى الشقة من ضوء، وما يشعر به حين يتبدل اتساع الشارع، كلها أجزاء من العمارة. وحين تنجح الفكرة، تبدو المدينة أقل صرامة من الكتلة التقليدية، وأكثر قابلية للفهم من الأبراج المبعثرة.
ليز أوت فورم: التجربة الأولى لم تكن عملًا فرديًا
ظهرت البذرة في مجمع Les Hautes-Formes السكني في الدائرة الثالثة عشرة، الذي أُنجز بين 1975 و1979. وهنا يلزم تثبيت النسبة بدقة: المشروع من تصميم كريستيان دو بورتزامبارك بالتعاون مع المعمارية جورجيا بينامو. يتكون من ستة مبانٍ و209 مساكن اجتماعية، حول شارع جديد مزروع بالأشجار بدل كتلة واحدة ثقيلة.
لا توجد أيقونة بالمعنى السياحي السهل. الإنجاز هو الانتقال بين المقياسين: سكن له ضوء وعنوان، ومجموعة تعيد صناعة قطعة من المدينة. تتحرك الارتفاعات، تظهر جسور أو عتبات في الأعلى، ويصبح الفراغ المركزي شارعًا لا مجرد فناء خلفي. في هذا المشروع، خرج البحث النظري إلى حياة يومية يمكن السير داخلها.
ماسينا: حين تحولت الفكرة إلى حي كامل
في 1995 فاز مكتب دو بورتزامبارك بمسابقة تخطيط قطاع ماسينا-نور ضمن مشروع باريس ريف غوش. امتد العمل حتى 2012 تقريبًا، وعلى مساحة تقارب 337 ألف متر مربع لم يفرض المعماري صورة نهائية واحدة. وضع قواعد تنظم الشوارع والأحجام والفجوات والحدائق، ثم دخل معماريون آخرون ليصمم كل منهم مبناه.
وهذا هو الجزء الأكثر راديكالية في المشروع: المؤلف لا يرسم كل شيء. إنه يضع شروطًا تتيح الاختلاف وتحمي في الوقت نفسه المصلحة الحضرية. تستطيع عمارة أن تكون هادئة وأخرى حادة؛ يمكن للمواد والألوان أن تتبدل؛ لكن الضوء والرؤية وعلاقة الكتل بالشارع تبقى خاضعة لمنطق مشترك.
للقارئ الذي يعرف باريس هوسمان، يقدم ماسينا حوارًا لا قطيعة. يحتفظ الحي بفكرة الشارع والواجهة والعنوان، لكنه يفتح الكتلة ويمنعها من التحول إلى جدار. وللقارئ الذي يعرف الحداثة على هيئة برج منفرد فوق بساط أخضر، يعيد ماسينا حدود الشارع ويمنح الفضاء العام شكلًا يمكن إدراكه.

حين تصبح العمارة موسيقى
إذا كانت الكتلة الحضرية المفتوحة تشرح فكره على مستوى المدينة، فإن مباني الموسيقى تكشف حساسيته من الداخل. لا يتعامل دو بورتزامبارك مع القاعة كصندوق صوتي ثم يضيف حوله واجهة. ينظم الوصول والانتظار والالتقاء والحركة كما لو كانت العمارة مقطوعة تتقدم عبر مقاطع وإيقاعات وصمت.
في مدينة الموسيقى عند لا فيليت، التي اكتمل جناحها الغربي عام 1990 وافتتح جناحها الشرقي عام 1995، تتوزع الممرات والساحات والمنحنيات كـ«مدينة حالمة» تدعو إلى الحركة. صمم دو بورتزامبارك المبنى وقاعة الحفلات الرئيسية؛ أما الفراغات المتحفية داخل المبنى فصممها لاحقًا المعماري فرانك هاموتين. ومن المهم أيضًا ألا تختلط هذه المجموعة بفيلهارموني باريس المجاورة، التي افتتحت عام 2015 وصممها جان نوفيل.
في الجناح الغربي، الذي يضم الكونسرفتوار الوطني العالي للموسيقى والرقص، تنسب وثائق المكتب العمارة الداخلية إلى إليزابيث دو بورتزامبارك، كما تنسب الأثاث إلى إليزابيث وكريستيان معًا. وهذه الدقة مهمة لأن مكتب 2Portzamparc الحالي يجمع توقيعين مستقلين، ولا يصح تحويل أعمال إليزابيث إلى هامش في سيرة كريستيان.
تتكرر العلاقة بين الحركة والفن في مدرسة رقص أوبرا باريس في نانتير: ثلاثة أجسام للسكن والتعليم والرقص، تربطها ممرات وفناء، بحيث يتبع المبنى إيقاع يوم الطالب. وقد نال المشروع جائزة الإيكير دارجان عام 1988. وفي فيلهارموني لوكسمبورغ ومدينة الفنون في ريو، تصبح الأعمدة والشرفات والكتل المعلقة أدوات لصنع اقتراب احتفالي من الموسيقى.

أبرز أعمال كريستيان دو بورتزامبارك

| المشروع | الزمن والمكان | لماذا يهم | النسبة الدقيقة |
|---|---|---|---|
| ليز أوت فورم | 1975–1979، باريس | البذرة المبنية للكتلة الحضرية المفتوحة داخل مشروع إسكان اجتماعي | كريستيان دو بورتزامبارك بالتعاون مع جورجيا بينامو |
| مدرسة رقص أوبرا باريس | 1983–1987، نانتير | ترجمة يوم الراقص إلى تسلسل من السكن والتعليم والتدريب | كريستيان دو بورتزامبارك |
| مدينة الموسيقى | 1984–1995، باريس | مجموعة ثقافية تتحول فيها الحركة إلى تجربة موسيقية | كريستيان دو بورتزامبارك؛ مع مساهمات مستقلة موثقة لإليزابيث في الجناح الغربي |
| السفارة الفرنسية | 1997–2003، برلين | تحويل قطعة مغلقة وصعبة إلى حي داخلي من سبعة مبانٍ وثلاث حدائق | عمارة كريستيان؛ فضاءات الاستقبال والكافتيريا والإقامة والقطع الداخلية لإليزابيث دو بورتزامبارك؛ تنسيق الموقع لريجيس غينيار |
| برج LVMH | 1999، نيويورك | برج نحيل تتغير واجهته الزجاجية مع الضوء بدل سطح متكرر | كريستيان دو بورتزامبارك |
| فيلهارموني لوكسمبورغ | 2005، لوكسمبورغ | غابة من الأعمدة البيضاء تصنع عتبة بين المدينة والقاعة | كريستيان دو بورتزامبارك |
| متحف هيرجيه | 2009، لوفان-لا-نوف | حجوم معلقة وممرات داخل فراغ مضيء يقرأ مثل تسلسل سردي | العمارة لكريستيان دو بورتزامبارك؛ السينوغرافيا لجوست سفارته |
| مدينة الفنون | 2013، ريو دي جانيرو | مبنى ثقافي مرفوع يربط الداخل بالمدينة والمنظر | كريستيان دو بورتزامبارك |
| One57 | 2014، نيويورك | برج فائق الارتفاع بواجهة زرقاء متدرجة أعاد وضعه في قلب نقاش الأفق والسكن الفاخر | كريستيان دو بورتزامبارك؛ تصميم داخلي منفصل لتوماس يول-هانسن |


السفارة الفرنسية في برلين: فتحٌ داخل كتلة مغلقة
عند ساحة باريس، قرب بوابة براندنبورغ، فرضت اللوائح واجهة منضبطة وموقعًا شديد الانغلاق بين جدران متجاورة. جاء رد كريستيان لا بإلغاء القيود، بل بصنع عالم داخلي: سبعة مبانٍ، وثلاث حدائق على مستويات مختلفة، وشارع داخلي يمد النظر عبر العمق. وصف المكتب المشروع بأنه تحويل لدروس «الكتلة المفتوحة» داخل «جزيرة مغلقة».
لكن هذا المثال يوضح أيضًا لماذا يجب ذكر فرق العمل. شاركت إليزابيث دو بورتزامبارك في المسابقة وصممت فضاءات الاستقبال والكافتيريا ومقر السفير، إلى جانب أثاث وسجاد وإضاءة خاصة؛ وصمم ريجيس غينيار المشهد الطبيعي. وحدة التجربة لا تعني أن مؤلفها شخص واحد.
متحف هيرجيه: المبنى يروي، والسينوغرافيا تُخرج الرواية
في لوفان-لا-نوف، يبتعد المتحف قليلًا عن المدينة ويعبر الزائر جسرًا نحو كتلة تبدو كأنها راسية عند حافة الغابة. في الداخل، تحوم أحجام ملونة حول فراغ كبير وتتغير زوايا النظر من الممرات. أراد دو بورتزامبارك مسارًا يدخل إليه الزائر بالسرد، لا بمجرد صف من القاعات.
العمارة هنا لكريستيان دو بورتزامبارك، أما تصميم العرض المتحفي فهو للفنان والمصمم الهولندي جوست سفارته. الفصل بين الدورين لا يقلل من وحدة التجربة؛ بل يفسرها: المبنى يصنع الضوء والحركة والفراغ، والسينوغرافيا تنظم المواد الأصلية والصور والإيقاع القصصي لعالم هيرجيه.
أين ترى أعمال كريستيان دو بورتزامبارك؟
| المكان | العنوان والوصول | كيف تزوره |
|---|---|---|
| ليز أوت فورم | 17 rue Baudricourt و3 rue des Hautes-Formes، 75013 Paris. الخريطة | مجمع سكني مأهول، وليس معلمًا مفتوحًا للزيارة. راقب العلاقة بين المباني والشارع من الفضاء العام، واحترم خصوصية السكان. |
| حي ماسينا-نور | حول Avenue de France وRue des Grands Moulins، 75013 Paris؛ الأقرب Bibliothèque François-Mitterrand. الخريطة | حي عام يمكن استكشافه سيرًا. ابدأ من المكتبة الوطنية، ثم اعبر الشوارع الجانبية وحديقة Grands-Moulins لمقارنة الكتل والفجوات. |
| مدينة الموسيقى | 221 avenue Jean-Jaurès، 75019 Paris؛ مترو Porte de Pantin، الخط 5. الخريطة | أفضل قراءة للمبنى تجمع بين جولة خارجية وحفل أو زيارة لمتحف الموسيقى. تحقق من البرنامج والتذاكر وساعات الدخول في الموقع الرسمي. |
| متحف بورديل، الجناح المعاصر | 18 rue Antoine-Bourdelle، 75015 Paris. الخريطة | صمم دو بورتزامبارك جناح 1992. المتحف مفتوح عادة من الثلاثاء إلى الأحد، والدخول إلى المجموعة الدائمة مجاني؛ راجع التحديث الرسمي. |
| مدرسة رقص أوبرا باريس | 20 allée de la Danse، 92000 Nanterre؛ RER A إلى Nanterre-Préfecture. الخريطة | مدرسة عاملة وليست موقعًا سياحيًا يوميًا. تُرى من الخارج، وقد تتاح زيارات محدودة في المناسبات مثل أيام التراث وبحجز مسبق. |
| متحف هيرجيه | 26 rue du Labrador، 1348 Louvain-la-Neuve، بلجيكا. الخريطة | رحلة ثقافية سهلة بالقطار من بروكسل. يفتح عادة من الثلاثاء إلى الأحد؛ احجز وتحقق من الساعات في الموقع الرسمي. |
مسار مشي معماري في الدائرة الثالثة عشرة
- ابدأ بمحطة Bibliothèque François-Mitterrand، وانظر إلى الأبراج الأربعة للمكتبة بوصفها علامة حضرية مختلفة تمامًا.
- اتجه إلى Avenue de France ثم انعطف نحو Rue des Grands Moulins؛ راقب كيف تظهر الحدائق بين مبانٍ لا تتطابق.
- اعبر Jardin des Grands-Moulins – Abbé-Pierre، وقارن المساحات العامة بالمشاهد التي تفتح على فناءات خاصة أو جماعية.
- تابع نحو ليز أوت فورم عبر شوارع الدائرة الثالثة عشرة. هناك سترى النسخة المبكرة والأكثر حميمية من الفكرة.
- اختم عند Place Nationale، حيث يظهر اهتمام دو بورتزامبارك اللاحق بإعادة تنشيط حي قائم من خلال السكن ومرفق فني عام.
ملاحظة عملية: بعض المواقع مساكن أو مؤسسات تعمل يوميًا. العمارة تُقرأ أفضل باحترام الاستخدام الحقيقي للمكان، لا بتحويله إلى استوديو تصوير.
الجدل والحدود: هل كل كتلة مفتوحة مدينة مفتوحة؟
تكمن قوة الفكرة أيضًا في نقطة ضعفها. يمكن للقواعد أن تمنح معماريين مختلفين حرية حقيقية، لكنها لا تضمن وحدها حياة عامة ناجحة. في ماسينا، تبدو الحدائق أحيانًا متاحة للنظر أكثر مما هي متاحة للعبور؛ تفصلها أسوار عند خط الشارع لأنها مساحات جماعية أو خاصة. وهنا يصبح سؤال «الانفتاح» سياسيًا وإداريًا بقدر ما هو شكلي: من يملك الأرض؟ من يستطيع الدخول؟ من يتولى الصيانة؟
وقد تتحول مرونة القواعد إلى وصفة سطحية إذا نُسخت الفجوات وتفاوت الارتفاعات من دون فهم المناخ والبرنامج والشارع. ليست كل قطعة أرض مناسبة للتفكيك، وليست كل واجهة مختلفة دليلًا على تنوع حقيقي. حتى الدراسات المتعاطفة مع ماسينا تصف النموذج بأنه شديد المرونة، لكنه غير قابل بالضرورة لكل نوع من البرامج.
أما مسيرة دو بورتزامبارك نفسها فتحتوي على تناقض مثمر ومقلق في آن. بدأت شهرته بمساكن اجتماعية تبحث عن كرامة الحياة اليومية، ثم صمم One57، أحد أشهر أبراج الشقق فائقة الفخامة في مانهاتن. يمكن قراءة البرج كبحث بارع في النحافة والضوء والأفق؛ ويمكن أيضًا قراءته داخل اقتصاد صنع «صف المليارديرات» وحوّل السكن إلى أصل مالي مرتفع فوق المدينة. لا تُدان العمارة بمجرد فخامة برنامجها، لكن لا يصح فصلها عن المدينة التي تنتجها.

وتتعرض المباني الثقافية الكبيرة لسؤال مشابه: هل تصنع فضاءً عامًا فعليًا، أم تكتفي بصورة مؤسسة قوية؟ في أفضل أعماله، مثل مدينة الموسيقى ومتحف هيرجيه، يصبح الوصول والحركة جزءًا من التجربة. وفي المشاريع الضخمة، تظل جودة الفكرة رهينة التشغيل والميزانية وإمكان الوصول، وهي عناصر لا يتحكم فيها المعماري وحده.
إرثه اليوم: قواعد تسمح للمدينة بأن تتغير
لم يغيّر كريستيان دو بورتزامبارك باريس بنصب واحد صار صورة عالمية، كما فعل آي إم بي في هرم اللوفر. تأثيره أقل اختزالًا في بطاقة بريدية، وربما أعمق داخل مهنة التخطيط: أثبت أن المشروع الحضري يمكن أن يكون مجموعة قواعد وعلاقات، لا مخططًا مغلقًا يقرر شكل كل مبنى لعقود مقبلة.
تظهر بصمته في أحياء فرنسية وعالمية تجمع بين شارع واضح، وكتل مستقلة، وتعدد في المؤلفين. لا يعني ذلك أن كل مشروع متقطع مدين له، ولا أن «الكتلة الحضرية المفتوحة» حل عالمي. إرثه الأدق هو إعادة السؤال إلى مركز التصميم: ماذا يحدث بين المباني؟
حصل بعد بريتزكر على جوائز وتكريمات عديدة، وشغل في 2006 أول كرسي للإبداع الفني في كوليج دو فرانس. وفي 2026 مُنح جائزة Andrée Putman للإنجاز مدى الحياة ضمن Créateurs Design Awards. غير أن التكريم الأكثر حضورًا يبقى في الشارع نفسه: كل مرة يدخل فيها الضوء من فجوة محسوبة، وكل مرة يحتفظ فيها مبنى بصوته من دون أن يكسر الجملة الحضرية.
في مدينة اعتادت أن تُقرأ عبر محاور هوسمان وواجهاته المتصلة، اقترح دو بورتزامبارك أن الوحدة لا تحتاج إلى التطابق. يمكن للمدينة أن تكون واضحة ومتعددة، منضبطة وغير مكتملة، وأن تمنح العمارة دورًا لا يقوم على السيطرة الكاملة بل على إعداد المجال لما سيأتي.
شاهد: كريستيان دو بورتزامبارك يتحدث عن العمارة والمدينة
في هذه المقابلة الكاملة التي أجرتها القناة الفرنسية العامة Public Sénat عام 2018، يتحدث دو بورتزامبارك عن مسيرته وأفكاره وموقع العمارة في الحياة العامة. يبقى الفيديو مستضافًا لدى الناشر الرسمي على YouTube ويُعرض هنا بالتضمين فقط، من دون تنزيل أو إعادة استضافة.
المصادر والتحقق من المعلومات
- 2Portzamparc: السيرة الرسمية لكريستيان دو بورتزامبارك ومبادئ الكتلة المفتوحة.
- جائزة بريتزكر: ملف الفائز لعام 1994، السيرة، قرار لجنة التحكيم والأعمال.
- Praemium Imperiale: السيرة والمسار المهني.
- مدينة العمارة والتراث: سجل ليز أوت فورم ونسبة المشروع إلى كريستيان دو بورتزامبارك وجورجيا بينامو.
- 2Portzamparc: ملف حي ماسينا وقواعد تخطيطه.
- جامعة دلفت للتكنولوجيا، DASH: دراسة حالة ماسينا والفضاء الجماعي وحدود الوصول.
- فيلهارموني باريس: التاريخ الرسمي لمدينة الموسيقى ونسبة قاعتها ومتحفها.
- 2Portzamparc: السفارة الفرنسية في برلين وائتمانات العمارة والداخل والمناظر الطبيعية.
- متحف هيرجيه: كريستيان دو بورتزامبارك معماريًا وجوست سفارته سينوغرافيًا.
- متحف بورديل: جناح 1992 ومعلومات الزيارة.
- أوبرا باريس: مدرسة الرقص في نانتير وتكوين المبنى.
- Créateurs Design Awards: جائزة Andrée Putman للإنجاز مدى الحياة لعام 2026.
- Public Sénat: المقابلة الرسمية الكاملة، 2018.
منهجية الصور: لا تُنشر أي صورة قبل التحقق من ترخيص الصورة نفسها، وهوية صاحب الحق، وأي حقوق مستقلة متصلة بالعمل المعماري أو الفني الظاهر فيها. تُستبدل الصورة إذا لم يكن الاستخدام التحريري التجاري والطباعي واضحًا. لا تُنزّل مقاطع الفيديو ولا تُعاد استضافتها.
اكتمل التدقيق التحريري في 17 سبتمبر 2026. قد تتغير ساعات الزيارة وشروط الدخول؛ راجع المواقع الرسمية قبل السفر.








